يصلني الاتصال عادةً في اليوم التالي مباشرة. مورّد قرأ الإعلان، أو مؤجّر بلغه الخبر، فأرسل خطاباً من سطرين يقول فيه إن العقد «انفسخ تلقائياً» لأن بنداً في آخر صفحة يقول ذلك. ويتصل بي التاجر وهو يحسب أنه خسر مورّده ومحله ومقاوليه في يوم واحد. أجيب بصراحة: في الأغلب لم يخسر شيئاً، والبند الذي يلوّح به الطرف الآخر باطلٌ بنص النظام. في هذا المقال أفصّل لك أثر الإفلاس على العقود كما يقرره النظام لا كما يشيع بين الناس: ما الذي يبقى قائماً من عقودك بعد افتتاح الإجراء، وما الذي يجوز إنهاؤه، ومن يملك إنهاءه بالضبط، وماذا يملك من تعاقد معك في المقابل.
البند الذي يخيفك — وهو باطل بنص النظام
أول ما أطلبه من التاجر أن يفتح العقد ويقرأ عليّ البند نفسه. وأغلب العقود التجارية عندنا فيها صيغة متقاربة: «يُفسخ هذا العقد تلقائياً إذا تقدّم الطرف الآخر بطلب إفلاس أو افتُتح له إجراء إفلاس». وجوابي واحد في كل مرة: هذا الشرط لا يُنتج أثره.
المادة (23) من نظام الإفلاس تقرر أنه لا يرتب قيد طلب افتتاح إجراء التسوية الوقائية أو افتتاحه أثراً في أي عقد يكون المدين طرفاً فيه، ثم تختم بعبارة قاطعة: «ويعد باطلاً كل شرط بخلاف ذلك». ومعها تقف المادة (22)، فتمنع أن يترتب على القيد أو الافتتاح حلول آجال الديون أو استحقاق الثمن في العقود التي لم يحل أجل سدادها، وتُبطل كذلك كل شرط يخالفها.
وانتبه إلى تفصيلين في هذين النصين قلّما يلتفت إليهما التاجر:
- الحماية لا تنتظر صدور حكم الافتتاح. النص يذكر قيد الطلب والافتتاح معاً، فأثره يبدأ من لحظة قيد طلبك لدى المحكمة لا من يوم صدور الحكم.
- البطلان مقرّر بالنص لا بالاتفاق. لا يحتاج إلى موافقة الطرف الآخر ولا إلى تفاوض معه ولا إلى ملحق تعديلي؛ الشرط ساقط ولو وقّعتَ عليه بخط يدك ووضعت عليه ختمك.
- أثر الإفلاس على العقود هنا سلبي بالمعنى النظامي: النظام لا يعطيك عقداً جديداً، بل يمنع الطرف الآخر من أن يستعمل دخولك الإجراء ذريعةً للخروج.
وهذه المواد موضعها فصل التسوية الوقائية، غير أن المادة (91) تُسري المواد من (20) إلى (24) على إجراء إعادة التنظيم المالي كذلك. فكلامي في هذا المقال يخص هذين الإجراءين، وسأعود في آخره إلى التصفية لأنها باب مختلف تماماً.
الخط الفاصل هو تاريخ الافتتاح
المادة (24) هي المادة التي أرسمها للعميل على ورقة واحدة، لأنها تحكم حياته اليومية داخل الإجراء. تقول إن العقود التي تكون طرفاً فيها تُعدّ قائمة بصرف النظر عن افتتاح الإجراء، وإن المتعاقد معك يلتزم بتنفيذ التزاماته بعد الافتتاح، مقابل تنفيذك أنت لالتزاماتك التي نشأت بعد الافتتاح. أما التزاماتك التعاقدية التي نشأت قبل الافتتاح ولم تفِ بها، فتُدرج في قائمة المطالبات.
خذ هذا المثال الذي أكرره في المكتب: مورّد يزوّدك بشحنة كل أسبوع، ولك عنده متأخرات ستة أشهر. بعد الافتتاح لا يجوز له أن يتوقف عن التوريد بحجة المتأخرات القديمة، لأن تلك المتأخرات صار مكانها قائمة المطالبات. لكنه في المقابل يستحق ثمن كل شحنة يسلّمها بعد الافتتاح في أجلها، والمادة نفسها تُلزمك بتنفيذ ما نشأ بعد الافتتاح في مواعيده ما لم تتفقا على غير ذلك.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي عليك، لا على مورّدك. فالفقرة (2) من المادة نفسها تعطي المتعاقد مخرجاً: إن لم تفِ بعد الافتتاح بالتزاماتك الناشئة عن العمل بالعقد، فللمحكمة — بناءً على طلبه — إنهاء العقد وإبراؤه من التزاماته، دون إخلال بحقوقه. بعبارة أوضح: النظام حماك من بند الفسخ، ولن يحميك من تخلّفك أنت عن السداد الجديد. وقد ألزمك النص ببذل العناية الواجبة لضمان الوفاء بالتزاماتك الناشئة بعد الافتتاح، بما في ذلك الوفاء الحالّ أو تقديم ما يقوم مقامه من ضمانات.
من يملك إنهاء العقد في التسوية الوقائية؟
سؤال يصلني كثيراً: «طيب عندي عقد خاسر يستنزفني، أقدر أوقفه؟» الجواب: نعم، لكن ليس بيدك أنت.
في التسوية الوقائية، الإنهاء بيد المحكمة وحدها. المادة (25) تجيز لها — بناءً على طلبك، وفي جلسة يُبلَّغ بها المتعاقد — إنهاء أي عقد تكون طرفاً فيه، بثلاثة شروط مجتمعة: أن يكون الإنهاء ضرورياً لحماية نشاطك، وأن تكون فيه مصلحة لأغلبية الدائنين، وألا يترتب عليه ضرر بالغ على المتعاقد. وإن لم يحضر المتعاقد الجلسة وجب تبليغه بالقرار.
واستثنت الفقرة (2) من المادة نفسها عقود الضمانات، ومنها عقد الرهن: لا تُنهى إلا وفقاً لأحكام النظام أو الأنظمة ذات العلاقة. فمن يظن أن دخوله الإجراء يحلّ عنه رهناً وقّعه فهو واهم.
في إعادة التنظيم المالي: القرار بيد الأمين، وله ساعة تدور
هنا يختلف المشهد اختلافاً كاملاً، وهذا وجه من وجوه أن أثر الإفلاس على العقود لا يُقال بجملة واحدة تصلح لكل الإجراءات.
المادة (60) تُلزمك — فور تعيين الأمين — بأن تقدّم له قائمة تفصيلية بعقودك السارية وبياناتها، مرافقاً لها نسخ العقود وتقريراً تبيّن فيه ما ترغب في استمراره منها وما ترغب في إنهائه ومسوّغات ذلك. وللأمين أن يطلب أي معلومة أو وثيقة ذات صلة، وأنت ملزم بتزويده بها خلال مدة معقولة يحددها. ثم يفحص هو ذلك كله بعناية.
وبعد الفحص تنتقل السلطة إليه. المادة (61) تجيز للأمين أن يصدر قراراً بإنهاء أي من عقودك إذا كان إنهاؤه لازماً لتنفيذ المقترح وحماية مصالح أغلبية الدائنين ولا يلحق ضرراً بالغاً بالمتعاقد — ولو نصّ العقد على خلاف ذلك. والمواعيد في هذه المادة هي ما أضعه على أجندة العميل من اليوم الأول:
- قرار الإنهاء يصدر خلال مدة أقصاها (60) يوماً من افتتاح الإجراء، وللأمين أن يطلب من المحكمة تمديد هذه النافذة بما لا يزيد على (30) يوماً، بشرط أن يكون التمديد لازماً بالنظر إلى حجم نشاطك أو طبيعته.
- العقد لا ينتهي بمجرد صدور القرار: يُعدّ منقضياً بعد مضي (30) يوماً من تاريخ تبليغ المتعاقد، إلا أن يتفق الأمين معه على مدة أقصر.
- إن لم يصدر الأمين قراراً بالإنهاء، بقيتَ ملزماً بتنفيذ أحكام العقد كما هي، ما لم يُعدَّل أو يتأثر بالخطة.
- الإنهاء لا يُسقط حقوق المتعاقد، بل يبقى له تقديم مطالبته إلى الأمين بشأن أي ضرر تكبده جراء الإنهاء.
ولهذا أقول لكل عميل يدخل إعادة التنظيم: الأسابيع الأولى ليست وقت انتظار. تقريرك للأمين عن العقود هو ما سيبني عليه قراره، ومن يسلّم قائمةً ناقصةً أو تقريراً بلا مسوّغات فقد تنازل عن دوره في أهم قرار تشغيلي في الإجراء كله.
عقد الإيجار الذي يقوم عليه نشاطك
أفردتُ لهذا العقد قسماً لأنه — عملياً — أكثر ما يقلق أصحاب المحال والمعارض والمستودعات. والنظام نفسه أفرده بحكم خاص.
عقد إيجار العقار الذي تمارس فيه نشاطك يخضع في إعادة التنظيم لقاعدة مختلفة: قرار الأمين بالإنهاء يصدر خلال (60) يوماً من الافتتاح كغيره، لكن العقد يُعدّ منقضياً بعد مضي (90) يوماً من تاريخ التبليغ، ما لم ينص العقد نفسه على مدة أقصر. وللأمين أن يطلب تمديد نافذة القرار (30) يوماً بالنظر إلى عدد العقارات التي تمارس فيها نشاطك. هذه التسعون يوماً ليست تفصيلاً شكلياً؛ هي المهلة التي ينقل فيها التاجر مخزونه ويجد بديلاً بدل أن يجد نفسه في الشارع.
وفي المادة نفسها حكم يغفل عنه كثيرون: للأمين أن يؤجّر من الباطن للغير العقار المستأجر أو جزءاً منه، ولو نصّ العقد على خلاف ذلك، على أن تضمن أنت عدم إلحاق ضرر بالعقار والوفاء بقيمة الإيجار وفقاً لأحكام العقد. أي أن المساحة الزائدة التي تدفع عنها ولا تستعملها قد تتحول إلى دخل بدل أن تكون نزيفاً.
ماذا يملك الطرف الآخر في المقابل؟
ليس عدلاً أن يُقرأ النظام من جهة واحدة. من تعاقد معك يملك أدوات واضحة، ومن مصلحتك أن تعرفها قبله:
- الاعتراض على قرار الأمين بإنهاء العقد أمام المحكمة. والمادة (62) ترسم للمحكمة معيار القبول: أن يثبت لها أن الإنهاء غير لازم لتنفيذ الخطة وحماية مصالح أغلبية الدائنين، وأنه يلحق ضرراً بالغاً بالمتعاقد.
- وفي عقد الإيجار تحديداً، صياغة المادة (62) أخفّ عبئاً على المعترض: يكفيه إثبات أن الإنهاء غير لازم لتنفيذ الخطة وحماية مصالح أغلبية الدائنين، دون اشتراط إثبات الضرر البالغ.
- المطالبة بالتعويض عن الضرر الناشئ عن الإنهاء، تُقدَّم إلى الأمين ضمن مطالباته.
- طلب إنهاء العقد وإبراء ذمته أمام المحكمة إن تخلّفتَ عن التزاماتك الناشئة بعد الافتتاح.
- تقديم مطالبته في موعدها. في إعادة التنظيم يعلن الأمين حكم الافتتاح خلال (7) أيام من تعيينه ويدعو الدائنين إلى تقديم مطالباتهم خلال مدة لا تزيد على (90) يوماً من تاريخ الإعلان.
وفيما لم يرد فيه نص خاص، فمهلة الاعتراض العامة (14) يوماً من تاريخ إصدار الحكم أو اتخاذ القرار أو الإعلان عن أيهما، أيّها أسبق. أنبّه عملائي إلى هذه المهلة تحديداً لأنها تمرّ سريعاً على من ينشغل بتشغيل نشاطه.
عقدان لا تسري عليهما هذه الحماية
هنا يجب أن أكون صريحاً، لأن كثيراً مما يُكتب في هذا الباب يسكت عن الاستثناءات. المادة (26) تخرج نوعين من العقود من دائرة الحماية التي شرحتها:
- عقود المنافسات والمشتريات الحكومية التي تبرمها الجهات الحكومية معك: مستثناة من أحكام المواد من (22) إلى (25).
- عقود التمويل التي تبرمها الشركات المصرفية أو شركات التمويل معك: مستثناة من أحكام المواد من (23) إلى (25).
وفي إعادة التنظيم المالي نظير هذا الاستثناء قائم كذلك في المادة (61) نفسها. ولاحظ فرقاً في صياغة المادة (26) يستحق الانتباه: نطاق الاستثناء في عقود التمويل يبدأ من المادة (23)، بينما يبدأ في المشتريات الحكومية من المادة (22). لا أبني على هذه الملاحظة أكثر من كونها نقطة تُعرض على المحكمة عند الاقتضاء، فالنص لم يفصّل فيها.
ثم إن المادتين (22) و(23) تبدآن بعبارة «دون الإخلال بأحكام الفصل (الرابع عشر) من النظام»، وهو الفصل الخاص بترتيبات الضمانات والمقاصة المرتبطة بالمعاملات المالية، وفيه المادة (214) التي تستثني بعض العقود والصفقات محل تلك الترتيبات من أحكام النظام حفاظاً على استقرار النظام المالي، وفقاً لما تحدده اللائحة.
ولا تنقل هذا الكلام إلى التصفية
هذا أهم تنبيه في المقال، ولولاه لصحّ أن يُقال إن ما كتبتُه ناقص. أثر الإفلاس على العقود الذي شرحتُه كله محلّه التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي. أما إجراء التصفية فمادة الإحالات فيه — المادة (126) — تعدّد المواد التي تسري عليه، وليست المواد (22) و(23) و(24) من بينها، ولا المواد (60) و(61) و(62). فمنظومة استمرار العقود وسلطة الأمين في إنهائها ليست منقولة إلى فصل التصفية بموجب تلك الإحالة.
ويكفيك أن تعرف الفارق الجوهري في التصفية: المادة (100) تقضي بأن تُغلّ يد المدين عن إدارة نشاطه فور تعيين الأمين، وأن يحلّ الأمين محله في إدارة النشاط والوفاء بواجباته النظامية، وأن يُعدّ باطلاً كل تصرف يقع من المدين على أي من أصول التفليسة بعد تعيين الأمين. فمن يقارن بين الإجراءين قبل أن يختار، يقارن في الحقيقة بين أن يبقى على رأس نشاطه وبين أن يُنزع منه.
ما أفعله مع العميل قبل أن يُقيَّد الطلب
هذا ليس حكماً نظامياً، بل منهج عمل استقرّ عندي من التعامل مع هذه الملفات:
- أجمع العقود السارية ونسخها قبل القيد لا بعده، لأن المادة (60) ستطلبها منك فور تعيين الأمين، ومن يبدأ بجمعها يومها يبدأ متأخراً بأسابيع.
- أفرز التزاماتك بتاريخ نشوئها لا بتاريخ استحقاقها: ما نشأ قبل الافتتاح مكانه قائمة المطالبات، وما نشأ بعده يُدفع في أجله. هذا الفرز وحده يمنع نصف الخلافات.
- أراجع كل عقد بحثاً عن شرط فسخ عند الإفلاس، وأجهّز الردّ عليه بنص المادة (23) قبل أن يصل الخطاب لا بعده.
- أعزل العقود المستثناة — الحكومية والتمويلية — في ملف مستقل، لأن معالجتها تفاوضية لا نظامية، ولا يصح أن تُدار بالمنطق نفسه.
- أضع مواعيد المادة (61) والمهلة العامة (14) يوماً على تقويم مكتوب يطّلع عليه العميل، لأن المهل هنا لا تُستأنف بحسن النية.
خلاصة أثر الإفلاس على العقود في هذين الإجراءين أن النظام انحاز إلى بقاء النشاط: أبطل شرط الفسخ التلقائي، وأبقى العقود قائمة، وجعل إنهاءها قراراً يمرّ على المحكمة أو على الأمين بضوابط ومهل ومعايير، لا رغبةً يعبّر عنها طرف بخطاب. وفي المقابل ربط كل ذلك بالتزامك أنت بما ينشأ بعد الافتتاح. من فهم هذه المعادلة أدار إجراءه، ومن لم يفهمها أُديرَ به.
عقودك ليست كلها في سلّة واحدة
نقرأ عقودك ونحدّد ما يستمر وما ينتهي وما يحتاج إذن المحكمة.
احجز استشارة←هذا المقال محتوى تعريفي عام عن نظام الإفلاس السعودي، ولا يقوم مقام الاستشارة القانونية في واقعة بعينها. لكل حالة وقائعها ومواعيدها.