أكثر ما يضيّع على التاجر فرصة الإنقاذ أنه ينتظر حتى يقف تماماً. يصلني الاتصال متأخراً في الغالب: رجعت الشيكات، وأُغلق التسهيل، والمورّد يهدد بالمحكمة. والنظام في الحقيقة فتح الباب قبل هذه المرحلة بكثير. في هذا المقال أمشي معك خطوة بخطوة في إجراءات التسوية الوقائية: من يملك تقديم الطلب، وما الذي يرافقه، وما الذي يقرّره القاضي في الجلسة، وكيف يصوّت دائنوك، ومتى تتحوّل الورقة التي كتبتها إلى خطة ملزمة لمن رفضها.
من يملك أن يفتح هذا الباب؟
عرّف النظام هذا الإجراء في مادته الأولى بأنه «إجراء يهدف إلى تيسير توصل المدين إلى اتفاق مع دائنيه على تسوية لديونه ويحتفظ المدين فيه بإدارة نشاطه». والجملة الأخيرة هي كل الفرق. أنت تبقى في مكتبك وتدير نشاطك، بخلاف التصفية التي نصّ فيها النظام على أن «تغل يد المدين عن إدارة نشاطه فور تعيين الأمين».
والمادة الثالثة عشرة تجعل التقدم بالطلب حقاً لك في ثلاث حالات: أن تكون «من المرجح أن يعاني من اضطرابات مالية يخشى معها تعثره»، أو أن تكون متعثراً، أو أن تكون مفلساً. اقرأ الحالة الأولى مرة ثانية: النظام لم ينتظر منك أن تعجز فعلاً، اكتفى بترجيح الاضطراب. هذا هو الباب الذي يمرّ بجانبه أكثر التجار وهم لا يرونه.
ونقطة ثانية: هذا الإجراء لا يطلبه إلا المدين. الدائن لا يستطيع أن يجرّك إليه، بخلاف إجراء إعادة التنظيم المالي الذي يملك طلبه المدين أو الدائن أو الجهة المختصة. وقيد أخير في الفقرة الثانية من المادة نفسها: لا يجوز لك التقدم بالطلب إذا سبق لك الخضوع لهذا الإجراء أو لإجراء التسوية الوقائية لصغار المدينين خلال الاثني عشر شهراً السابقة على طلبك.
الأوراق التي يسقط الطلب بدونها
المادة الرابعة عشرة تقول إن الطلب «يقيد طلب افتتاح إجراء التسوية الوقائية لدى المحكمة بعد تقديمه مرافقاً له المقترح والمعلومات والوثائق ذات العلاقة». والتفصيل في لائحة المعلومات والوثائق الصادرة عن لجنة الإفلاس، وهذه أهم بنودها:
- نبذة عن نشاطك، ونسخة من ترخيص ممارسته إن وجد، ونسخة من عقد التأسيس أو النظام الأساس وتعديلاتهما.
- ما يثبت كونك مفلساً أو متعثراً أو يخشى تعثرك — إثبات لا مجرد قول.
- نبذة عن وضعك المالي خلال الأربعة والعشرين شهراً السابقة لتقديم الطلب، وتأثيرات الوضع الاقتصادي فيه.
- القوائم المالية عن آخر عامين ماليين للشخص ذي الصفة الاعتبارية، وللشخص الطبيعي إن سبق إعدادها.
- قائمة الديون، معدّة في تاريخ لا يتجاوز شهراً واحداً قبل تقديم الطلب، وفيها قيمة كل دين ومنشؤه وموعد الوفاء به، واسم كل دائن وعنوانه، وبيان بالديون المضمونة ونوع الضمان.
- قائمة أصولك وتقدير قيمتها الإجمالية، معدّة كذلك في تاريخ لا يتجاوز شهراً.
- بيانات العاملين لديك وأجر كل منهم وإجمالي الأجور الشهرية.
- بيان بالدعاوى والإجراءات القضائية والأحكام والسندات التنفيذية المتعلقة بك ومستنداتها المؤيدة.
- إقرار منك بعدم خضوعك لهذا الإجراء خلال الاثني عشر شهراً السابقة، وإفادة من سجل الإفلاس بذلك.
وأصعبها عملياً بندان: تاريخ إعداد قائمتي الديون والأصول، شهر واحد لا أكثر؛ وبيان الدعاوى والسندات التنفيذية، لأنه يكشف ما اعتاد التاجر أن يؤجّل الاعتراف به.
المقترح لا يُقبل بلا تأشير أمين
هنا يتعثر كثيرون في الأسبوع الأول. اللائحة التنفيذية في مادتها الثالثة عشرة تشترط أن يكون المقترح المرافق للطلب «مؤشراً عليه من أمين مدرج في قائمة الأمناء باستيفائه المعلومات والوثائق المطلوبة». فالمقترح ليس خطاباً تكتبه وترسله؛ هو وثيقة لا تدخل المحكمة إلا بتأشير مهني.
والمقترح — بنص المادة الرابعة عشرة — يجب أن يتضمن نبذة عن وضعك المالي، وتأثيرات الوضع الاقتصادي عليك، وتصنيف الدائنين إلى فئات. والتصنيف ليس ترتيباً شكلياً على ورقة؛ سترى بعد قليل أنه يقرر مصير التصويت كله.
ما الذي يقرّره القاضي في جلسة الافتتاح؟
الجلسة الأولى في إجراءات التسوية الوقائية ليست شكلية. المادة الخامسة عشرة رسمت المسار: تحدد المحكمة موعداً للنظر في الطلب خلال مدة لا تزيد على 40 يوماً من تاريخ قيده، وتبلغك بموعد الجلسة خلال 5 أيام من القيد. ثم تقضي بواحد من ثلاثة.
الأول: افتتاح الإجراء، وله أربعة شروط مجتمعة:
- أن يترجح لدى المحكمة «إمكانية استمرار نشاط المدين وتسوية مطالبات الدائنين خلال مدة معقولة».
- أن تكون مفلساً أو متعثراً أو مرجَّحاً أن تعاني اضطرابات مالية يخشى معها تعثرك.
- أن تكون قدّمت المعلومات والوثائق المنصوص عليها في المادة الرابعة عشرة.
- أن تكون «بذلت العناية الواجبة في تصنيف الدائنين إلى أكثر من فئة بشكل عادل».
الثاني: رفض الطلب، في حالتين نصّ عليهما: أن يكون غير مستوفٍ للمتطلبات النظامية أو غير مكتمل دون مسوغ مقبول، أو أن يكون مقدّمه «إذا تصرف مقدم الطلب بسوء نية أو ارتكب أياً من الأفعال المجرَّمة في النظام». وأنبّه هنا: النظام أعطى المحكمة عند الرفض أن تقضي بافتتاح إجراء الإفلاس المناسب. أي أن الباب إن أُغلق قد يُفتح بدله باب أثقل.
الثالث: تأجيل الجلسة مدة لا تزيد على 21 يوماً، لتقديم معلومة أو وثيقة إضافية تطلبها المحكمة، أو لتعديل تصنيف فئات الدائنين بما يضمن عدالته.
وبعد الحكم عليك التزامان: تبليغ الدائنين المحددين في المقترح وإيداع نسخة من الحكم في سجل الإفلاس، والإعلان عن الافتتاح خلال 7 أيام من تاريخ الحكم. وتلزمك اللائحة بتبليغ الدائنين خلال 7 أيام كذلك، ودعوتهم إلى التصويت مع نسخة من المقترح أو ما يفيد إتاحة الاطلاع عليه.
تعليق المطالبات لا يأتي وحده
يظن كثيرون أن مجرد افتتاح الإجراء يوقف التنفيذ عنهم. ليس هكذا في إجراءات التسوية الوقائية تحديداً. المادة السابعة عشرة تجعل تعليق المطالبات أمراً تطلبه من المحكمة عند طلب الافتتاح، وترفق به «تقريراً معداً من أمين مدرج بقائمة أمناء الإفلاس يتضمن ترجيحه لقبول أغلبية الدائنين للمقترح وإمكانية تنفيذه». فمن لم يطلبه لم يحصل عليه.
فإذا صدر القرار، فالمدة بنص المادة الثامنة عشرة: لا تزيد على 90 يوماً من تاريخ الافتتاح، وللمحكمة تمديدها 30 يوماً لمرة أو أكثر بناءً على طلبك، على ألا تزيد في جميع الأحوال على 180 يوماً. وتنتهي المدة قبل ذلك بتصديق المحكمة على المقترح أو بإنهاء الإجراء.
وما الذي يتوقف فعلاً خلال المدة؟ المادة العشرون تعدّده:
- أي إجراء أو تصرف أو دعوى تجاهك أو تجاه أصولك، بما في ذلك التقدم بطلب افتتاح أي من إجراءات الإفلاس.
- أي إجراء للتنفيذ على أصول التفليسة المقدمة كضمانات، إلا بعد موافقة المحكمة.
- أي إجراء أو تصرف ضد الضامن الشخصي أو مقدم الضمان العيني لدين المدين، إلا بعد موافقة المحكمة.
والفقرة الثانية من المادة حاسمة: «يعد باطلاً كل إجراء مخالف». وللمحكمة من تلقاء نفسها أو بطلب ذي مصلحة أن تقضي باسترداد أي أصول جرى التصرف فيها خلال المدة، مع مراعاة حقوق الغير حسن النية.
وليست الحماية مطلقة. المادة الحادية والعشرون تجيز للمحكمة الموافقة على التنفيذ على الأصول المضمونة في حالتين: إذا لم يترتب على التنفيذ تأثير في استمرار نشاطك ولا في الحصول على موافقة الدائنين والملاك على المقترح، أو إذا كان الرفض قد يلحق بالدائن المضمون ضرراً بالغاً يتعذر تعويضه ويفوق الضرر الذي قد يلحق بك وبالدائنين الآخرين. وعليك أثناء المدة أمران: تبليغ دائنيك بالقرار فور صدوره، وبذل العناية الواجبة لإقناعهم بالموافقة.
عقودك لا تنفسخ لمجرد أنك طلبت
هذا هو السؤال الذي يقلق التاجر أكثر من الدين نفسه: هل يقطعني موردي؟ المادة الثانية والعشرون تقول إنه لا يترتب على قيد الطلب ولا على افتتاحه حلول آجال الديون ولا استحقاق الثمن في العقود التي لم يحل أجل سدادها، «ويعد باطلاً كل شرط بخلاف ذلك». والمادة الثالثة والعشرون تمضي أبعد: لا يرتب القيد ولا الافتتاح أثراً في أي عقد تكون طرفاً فيه، «ويعد باطلاً كل شرط بخلاف ذلك».
فبند الفسخ التلقائي عند الإفلاس — وهو موجود في أغلب عقود التوريد والإيجار التي تمرّ عليّ — باطل نظاماً. ولاحظ أن الحماية تبدأ من قيد الطلب، لا من صدور الحكم.
وفي المقابل عليك واجب مقابل: المادة الرابعة والعشرون تُبقي العقود قائمة وتلزم المتعاقد معك بتنفيذ التزاماته «مقابل تنفيذ المدين لالتزاماته التي نشأت بعد افتتاح الإجراء»، وتُدرج في قائمة المطالبات التزاماتك التعاقدية التي نشأت قبل الافتتاح ولم تفِ بها. الخط الفاصل هو تاريخ الافتتاح: ما قبله مطالبة تُقيَّد، وما بعده يُدفع في أجله. فإن لم تفِ بما بعده، فللمحكمة بناءً على طلب المتعاقد إنهاء العقد وإبراؤه من التزاماته دون إخلال بحقوقه.
وإنهاء أي عقد هنا بيد المحكمة لا بيدك: تجيز لها المادة الخامسة والعشرون — بناءً على طلبك وفي جلسة يبلَّغ بها المتعاقد — إنهاء العقد إذا كان ضرورياً لحماية نشاطك وفيه مصلحة لأغلبية الدائنين ولم يترتب عليه ضرر بالغ على المتعاقد، ويُستثنى من ذلك عقود الضمانات بما فيها الرهن.
ثم استثناءان لا أحب أن يفاجَأ بهما عميل: المادة السادسة والعشرون تُخرج عقود المنافسات والمشتريات الحكومية من أحكام المواد 22 إلى 25، وتُخرج عقود التمويل التي تبرمها الشركات المصرفية أو شركات التمويل من أحكام المواد 23 إلى 25. فإن كان عمودك الفقري عقداً حكومياً أو تمويلاً بنكياً، فالحساب مختلف.
التصويت: هنا يسقط أكثر ما يسقط
تحدد المحكمة في حكم الافتتاح موعداً لتصويت الدائنين، خلال مدة لا تزيد على 40 يوماً من تاريخ الافتتاح، ولها في الأحوال التي تقدرها أن تحدد موعداً بعد ذلك بما لا يتجاوز 40 يوماً أخرى.
ولا يصوّت إلا الدائن أو المالك الذي يرتب المقترح أثراً في حقوقه النظامية أو التعاقدية. وإن تضمن المقترح ما يؤثر في حقوق الملاك وجب دعوتهم للتصويت، ويكون تصويتهم سابقاً لتصويت الدائنين. وإذا وُجدت مطالبات متنازع فيها، فعليك تعيين خبير من قائمة الخبراء توافق عليه المحكمة لتقدير قيمتها لأغراض التصويت.
أما النصاب فهو أدق ما في هذا المقال، وأكثر ما يُنقل خطأً. النص: «يكون المقترح مقبولاً إذا صوتت بالموافقة عليه كل فئة من فئات الدائنين، وتعد الفئة موافقة إذا صوت بالموافقة على المقترح دائنون تمثل مطالباتهم ثلثي قيمة ديون المصوتين في الفئة ذاتها، وكان من ضمنهم دائنون تمثل مطالباتهم أكثر من نصف قيمة ديون الأطراف غير ذوي العلاقة». ثلاثة قيود متراكبة:
- كل فئة على حدة يجب أن توافق. لا وجود لأغلبية إجمالية تعبر بها فوق فئة رافضة.
- داخل الفئة: ثلثا قيمة ديون المصوتين — بالقيمة لا بعدد الرؤوس، ومن المصوتين لا من مجموع الدائنين.
- ومن ضمن هؤلاء: من يمثلون أكثر من نصف قيمة ديون الأطراف غير ذوي العلاقة. وهو قيد يسدّ باب تمرير المقترح بأصوات الشركاء والأقارب؛ فتعريف الطرف ذي العلاقة في النظام واسع، يشمل المدير وعضو مجلس الإدارة والشريك والمالك وأقاربهم حتى الدرجة الثالثة، ومن بينه وبين المدين علاقة عمل، وحالات السيطرة بما يوازي ملكية تزيد على 50% من رأس المال.
وعليك فور نهاية التصويت تبليغ الدائنين والملاك بالنتيجة وإيداعها لدى المحكمة. وإن تعذّر التصويت في موعده، فللمحكمة أن تقضي بما تراه، بما في ذلك تحديد موعد آخر أو إنهاء الإجراء.
التصديق: الجملة التي تحوّل ورقتك إلى حكم
إذا قبل الدائنون المقترح، فعليك أن تطلب من المحكمة التصديق عليه، وأن تبلغ الدائنين بذلك قبل تقديم طلبك. وتصدق المحكمة عليه «بعد التحقق من قبول الدائنين له واستيفائه معايير العدالة»، وهي معايير منصوصة لا متروكة للاجتهاد:
- مراعاة إجراءات تصويت الدائنين عليه.
- حصول الدائنين على معلومات وافية لدراسته والبدائل المتاحة للمدين مقارنة بالبنود الواردة فيه.
- مراعاة حقوق الدائنين القائمة، وبالأخص ما يتعلق بتقاسم الخسائر وتوزيع الحقوق الجديدة والمزايا والضمانات.
وللدائن أن يعترض على المقترح أمام المحكمة في جلسة التصديق بدعوى الإخلال بمعايير العدالة، بشرطين: أن يكون صوّت بالرفض، وأن يعتقد بناءً على سبب معقول أن المقترح يضرّ به.
وأثر التصديق هو المقصود من إجراءات التسوية الوقائية كلها: تصير الخطة ملزمة للمدين والدائنين والملاك — بمن فيهم من صوّت بالرفض. وعليك فور التصديق تبليغ الدائنين وإيداع نسخة في سجل الإفلاس خلال مدة لا تزيد على 5 أيام. ولا يعني التصديق أنك أُعفيت من التزاماتك المتعلقة بنشاطك بموجب الأنظمة الأخرى؛ المادة الثالثة والثلاثون تقولها صراحة.
كيف ينتهي الإجراء
عند اكتمال تنفيذ الخطة تتقدم بطلب للحكم بإنهاء الإجراء، وتبلغ الدائنين بالطلب قبل تقديمه، ولكل ذي مصلحة الاعتراض عليه أمام المحكمة خلال 14 يوماً من تقديمك للطلب. ثم تودع حكم الإنهاء في سجل الإفلاس خلال مدة لا تزيد على 5 أيام.
لكن الإنهاء ليس دائماً بهذا الوجه. عدّدت المادة التاسعة والثلاثون سبع حالات، منها عدم تحقق النصاب في التصويت أو تعذّره، ورفض المحكمة التصديق، وتعذّر تنفيذ الخطة، ووجود مخالفات مؤثرة أو ارتكاب فعل مجرَّم. وفي أكثر هذه الحالات — لا في حالة اكتمال التنفيذ — تملك المحكمة أن تقضي بافتتاح إجراء الإفلاس المناسب متى كنت متعثراً أو مفلساً واستوفيت شروطه.
وأقولها بصراحة في الختام: إجراءات التسوية الوقائية ليست الإجراء الوحيد في النظام — فبوابة لجنة الإفلاس تعدّد سبعة إجراءات — وقد يكون الأنسب لحالتك غيرها. وما أفعله مع العميل في أول جلسة أن أقرأ معه دفاتره وقائمة ديونه وعقوده قبل أي كلام عن المحكمة، ثم نجيب عن سؤالين: هل يُرجَّح استمرار النشاط فعلاً بالأرقام لا بالأمنيات، وكيف تُصنَّف فئات الدائنين تصنيفاً يصمد أمام القاضي وأمام صندوق التصويت معاً. ما عدا ذلك تفاصيل تأتي بعدهما.
موضوعات ذات صلة
التسوية الوقائية بابها يُغلق بالتأخير
إن كنت تخشى التعثر ولم تتوقف بعد، فهذا وقت هذا الإجراء لا بعده.
احجز استشارة←هذا المقال محتوى تعريفي عام عن نظام الإفلاس السعودي، ولا يقوم مقام الاستشارة القانونية في واقعة بعينها. لكل حالة وقائعها ومواعيدها.