أكتب / مقال

الحسابات البنكية في الإفلاس: هل تُجمَّد وكيف تُدار؟

أحمد الدخيّل أحمد الدخيّل
الحسابات البنكية في الإفلاس: هل تُجمَّد وكيف تُدار؟

أكثر سؤال يصلني في اليوم الذي يسبق تقديم الطلب ليس عن الدين ولا عن الدائنين، بل عن الصرّاف: «إذا فتحنا الإجراء، بكرة أقدر أدفع رواتب عمالي؟» والخوف مفهوم — فقد سمع الرجل من مجالس التجار أن الحسابات «تُقفل» في اليوم التالي. أقولها بصراحة بعد قراءة النظام ولائحته: لم أجد نصاً واحداً يقرّر تجميد حسابك البنكي كأثر تلقائي لافتتاح الإجراء. الموجود شيء آخر، أدق وأكثر تفصيلاً، ويختلف اختلافاً كاملاً باختلاف الإجراء الذي تدخله. وهذا ما أشرحه لك هنا.

ابدأ من نتيجة قد تفاجئك: لا نص للتجميد

بحثتُ في نظام الإفلاس وفي لائحته التنفيذية عن حكم يقول إن حسابات المدين تُجمَّد بمجرد قيد الطلب أو صدور حكم الافتتاح، فلم أجده. النظام لا يتعامل مع الحساب البنكي بوصفه شيئاً يُقفل، بل بوصفه وعاءً للمال تحكمه قواعد التصرف في أصول التفليسة. ولهذا فإن السؤال الصحيح عن الحسابات البنكية في الإفلاس ليس «هل تُجمَّد؟» بل «من يملك أن يوقّع على الصرف منها، وفي أي إجراء؟».

وأفصل هنا بين أمرين: ما يقرره النظام، وما تفعله البنوك عملياً حين يظهر قيد الإجراء. الأول أنقله لك بنصّه؛ والثاني خبرة تُعالَج ملفاً بملف مع البنك، ولا أقدّمه لك على أنه حكم نظامي.

ما الموجود فعلاً بدلاً من «التجميد»

الأداة الأقرب لما يسمّيه الناس تجميداً هي إجراء تحفظي تأمر به المحكمة، لا أثر يقع تلقائياً. المادة (96) من النظام تقول: «للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب ذي مصلحة أن تأمر بعد قيد طلب افتتاح إجراء التصفية باتخاذ أي إجراء تحفظي، وفقاً لما تحدده اللائحة». واللائحة (المادة 5) حدّدت ذلك في أمرين: تعيين أمين يحل محل المدين في إدارة نشاطه حتى صدور الحكم في الطلب، و«حجز أصول المدين التي في حيازته أو لدى الغير».

وعبارة «أو لدى الغير» هي مربط الفرس، فالبنك «غير» يحوز مالك. لكن لاحظ ثلاثة قيود لا يجوز إغفالها:

  • الأمر يصدر من المحكمة، وليس أثراً تلقائياً لتقديم الطلب.
  • موضعه بعد قيد طلب افتتاح إجراء تصفية تحديداً — لا في التسوية الوقائية ولا في إعادة التنظيم المالي.
  • الصياغة جوازية: «أن تأمر»، لا «تأمر».

وثمة صلاحية أخرى يخلط بينها وبين التجميد: المادة (59/4) تعطي الأمين «حق الحصول على أي معلومة عن نشاط المدين أو أصول التفليسة من الجهات العامة والخاصة… بما في ذلك الوثائق وكشوف حسابات المدين البنكية والاستثمارية»، وتوجب على كل من يحوز هذه المعلومات الإفصاح له عنها، ولا يُعد ذلك انتهاكاً لسرية المعلومات. فالنص أعطى الأمين حق الاطلاع، لا حق الإغلاق. والفرق بينهما جوهري.

من يملك القرار على المال: ثلاثة أوضاع مختلفة تماماً

مصير الحسابات البنكية في الإفلاس معلّق بنوع الإجراء، والفرق بين الأنواع ليس فرق درجة بل فرق طبيعة:

  • التسوية الوقائية. تعريفها في المادة الأولى من النظام يقول إنها إجراء «يحتفظ المدين فيه بإدارة نشاطه». فلا أمين يدير، ولا غلّ ليد. أنت من يوقّع.
  • إعادة التنظيم المالي. المادة (69/1): «يستمر المدين في إدارة أعماله ونشاطه خلال فترة إجراء إعادة التنظيم المالي تحت إشراف الأمين». والمادة (57) تصف مهمة الأمين بأنها إشراف على النشاط للتحقق من عدالة الإجراء وتنفيذ الخطة. أنت تدير، وهو يشرف — وللإشراف قائمة محددة أعرضها بعد قليل.
  • التصفية. المادة (100): «تغل يد المدين عن إدارة نشاطه فور تعيين الأمين»، ويحل الأمين محله في إدارة نشاطه والوفاء بواجباته النظامية، «ويعد باطلاً كل تصرف يقع من المدين على أي من أصول التفليسة بعد تعيين الأمين». وانتبه للميقات بدقة: «فور تعيين الأمين» — لا فور تقديم الطلب ولا فور صدور الحكم بالافتتاح.
  • التصفية الإدارية. الحكم نفسه في المادة (171)، لكن بلجنة الإفلاس بدل الأمين: تغل يد المدين فور تعيينها، وتحل محله، ويبطل كل تصرف يقع منه على أصوله بعدها.

ولا يعني «غلّ اليد» أن كل حساب يختفي. النظام نفسه يفترض بقاء حساب للمدين: المادة (82) توجب على الأمين، بعد سداد دين الدائن المضمون من حصيلة البيع، أن يودع الفائض «في حساب المدين». والمادة (104) تتحدث عن إيداع حصيلة البيع «في حساب جار يفتح لهذا الغرض»، والمادة (197) عن «الحساب البنكي المخصص لأصول التفليسة». فالمنطق الذي يحكم المسألة منطق حسابات مخصصة لأصول التفليسة، لا منطق إقفال شامل.

قائمة الأعمال التي تحتاج توقيع الأمين

في إعادة التنظيم المالي، الجواب الدقيق على سؤال الصرف موجود في المادة (70/1): يجب على المدين الحصول على موافقة مكتوبة من الأمين — في المدة من الافتتاح إلى التصديق على المقترح — عند القيام بخمسة عشر عملاً، من أبرزها عملياً:

  • سداد ديون حالّة أو لم تحل آجالها.
  • إبرام أي اتفاق أو تسوية مع دائن أو أكثر.
  • طلب الحصول على تمويل، وتقديم ضمان للغير أو تجديده.
  • نقل ملكية كل أو بعض أعماله أو أصوله خارج نطاق مزاولة نشاطه المعتاد.
  • إخلاء أي من أصول التفليسة المؤجرة، وإبرام عقد إيجار لازم لنشاطه أو نافع له.
  • إقامة أي دعوى أو الترافع في دعوى مقامة، وتعيين وكيل للتصرف نيابة عنه فيما هو خارج ممارسة النشاط بالطريقة المعتادة.

اقرأ القائمة بعناية وستجد ما ليس فيها: المصروف التشغيلي المعتاد. النظام لم يشترط توقيع الأمين على شراء بضاعة أو دفع فاتورة كهرباء أو صرف راتب، والحد الفاصل الذي رسمه هو عبارة «خارج نطاق مزاولة نشاطه المعتاد». وجزاء تجاوز هذا الحد في المادة (71): للمحكمة — بناء على طلب ذي مصلحة — أن تقضي ببطلان التصرف واسترداد الأصول، مع مراعاة حقوق الغير حسن النية. وبعد التصديق على الخطة تضيق القائمة كثيراً: المادة (85/1) تقصرها على سبعة أعمال، ويسقط منها «سداد الديون» و«التسوية مع الدائن».

هل يستمر النشاط التجاري؟ الإجراء نفسه هو الجواب

هذه نقطة أُلح عليها مع كل عميل: الإجراء الذي تُفتَح به ليس ورقة إدارية، بل حكم مسبق على مصير نشاطك. المحكمة تفتتح التسوية الوقائية أو إعادة التنظيم المالي إذا «ترجح لديها إمكانية استمرار نشاط المدين وتسوية مطالبات الدائنين خلال مدة معقولة» (المادتان 15/1/أ و47/2/أ)، وتفتتح التصفية إذا ترجح لديها «تعذر استمرار نشاط المدين» وكانت أصوله تكفي لمصروفات الإجراء (المادة 99).

ويسند النظام هذا الاستمرار بحماية للعقود: المادة (22) تمنع أن يترتب على قيد الطلب أو افتتاحه حلول آجال الديون، والمادة (23) تمنع أن يرتب أثراً في أي عقد يكون المدين طرفاً فيه، وكلتاهما تختم بعبارة واحدة: «ويعد باطلاً كل شرط بخلاف ذلك». أي أن بند الفسخ التلقائي عند الإفلاس في عقد التوريد أو الإيجار باطل نظاماً. والمادة (24) تُبقي العقود قائمة وتلزم المتعاقد بتنفيذ التزاماته مقابل تنفيذ المدين لالتزاماته الناشئة بعد الافتتاح في آجالها، وتُدرج التزامات ما قبل الافتتاح في قائمة المطالبات. وهذه المواد تسري على إعادة التنظيم المالي بحكم المادة (91).

ولهذه الحماية استثناءان في المادة (26)، ونطاقهما مختلف: عقود المنافسات والمشتريات الحكومية تُستثنى من المواد (22) إلى (25)، أما عقود التمويل التي تبرمها الشركات المصرفية أو شركات التمويل فتُستثنى من المواد (23) إلى (25) — أي أن المادة (22) تبقى سارية عليها. أما في التصفية فالمنطق ينقلب: المادة (113) تجعل الديون غير الحالّة الثابتة في الذمة «واجبة ومستحقة الأداء فور افتتاح إجراء التصفية».

من أين تُدفع مصروفات التشغيل؟

سؤال الرواتب والموردين له جواب في ترتيب الأولوية نفسه. المادة (196) ترتّب سداد الديون في التصفية على ثمانية بنود، يتصدّرها «الديون المضمونة ضماناً عينياً» ثم «التمويل المضمون»، ثم يأتي «مبلغ لعمال المدين يعادل أجر (ثلاثين) يوماً»، فالنفقات الأسرية المقررة، ثم «المصروفات اللازمة لاستمرار نشاط المدين أثناء الإجراء»، ثم أجور العمال السابقة، ثم الديون غير المضمونة، ثم المستحقات الحكومية غير المضمونة. واللائحة (المادة 77) تحسم أن ديون المدين اللازمة لاستمرار نشاطه والناشئة بعد الافتتاح تُعدّ ضمن مصروفات الإجراء وتأخذ تلك الأولوية.

وفي التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي ترتّب اللائحة (المادة 78) ما يُدفع قبل إنهاء الإجراء: أتعاب الأمين أو الخبير التي يحل أجلها أثناء السير، ثم أي تمويل حصل عليه المدين وفق الفصل العاشر من النظام، ثم «المصروفات اللازمة لاستمرار نشاط المدين أثناء الإجراء بما في ذلك توفير السلع والخدمات وعقود العمل». وتقرر المادة (19) من اللائحة قاعدة عامة: «تدفع مصروفات إجراء الإفلاس من أصول التفليسة، ما لم يثبت تعدٍّ أو تفريط». أما التمويل الجديد فالمضمون منه لا يجوز إلا بموافقة المحكمة (المادة 182)، وتوافق متى كان لازماً لاستمرار النشاط أو المحافظة على الأصول (المادة 183)، بينما لا تشترط موافقتها على التمويل غير المضمون في التسوية وإعادة التنظيم (المادة 185).

نفقتك ونفقة من تعول

النظام لا يجرّدك من كل شيء. في إعادة التنظيم المالي تقول المادة (66): «يحتفظ المدين ذو الصفة الطبيعية من أصول التفليسة بما يوفر له ولمن يعولهم ما يكفي لمعيشة بالمعروف، وتحدد المحكمة مقدار كفايته بناء على اقتراح الأمين»، ولا تُدرج هذه الأصول ضمن المقترح. وفي التصفية تقول المادة (102/2) الحكم نفسه: يتولى الأمين التصفية «عدا ما وافقت المحكمة على احتفاظ المدين ذي الصفة الطبيعية به لتوفير ما يكفي له ولمن يعول لمعيشة بالمعروف». وهذا الاحتفاظ من الأمور القابلة للاعتراض أمام محكمة الاستئناف (المادة 217/1).

وأشدد على قيد في النصين: «المدين ذو الصفة الطبيعية». فإن كان المدين شركة، فلا نفقة لها، ومدير الشركة ليس هو المدين. ولا يوجد في النظام جدول ولا نسبة لمقدار «المعيشة بالمعروف» ولا قائمة أصول معفاة بطبيعتها؛ التقدير للمحكمة بناءً على اقتراح الأمين، ودورنا أن نُحسن عرض واقع الأسرة والنشاط أمامها.

المقاصة البنكية: القاعدة تنقلب رأساً على عقب

هنا أدق نقطة في موضوع الحسابات البنكية في الإفلاس، وأكثرها أثراً في المال الفعلي. بنكك يحمل رصيداً لك ويطالبك بتمويل. هل يقتطع أحدهما من الآخر؟ الجواب يتغيّر كلياً بحسب الإجراء:

  • المادة (188) تحظر المقاصة التلقائية بعد افتتاح التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي وإجراءي صغار المدينين المقابلين لهما — ما لم ينص المقترح على إمكانية إجرائها في ديون محددة إذا كانت ديوناً أو تعاملات تبادلية.
  • المادة (191) توجبها في المقابل: يترتب على افتتاح التصفية أو التصفية لصغار المدينين أو التصفية الإدارية إجراء المقاصة التلقائية فيما للمدين من دين على دائنه في تاريخ الافتتاح مقابل ما لهذا الدائن من دين عليه.
  • المادة (192) تحمي ما بعد الافتتاح: الديون والتعاملات الناشئة لاحقاً لا تُعدّ تبادلية لغرض المقاصة التلقائية، «وتعد هذه الديون والتعاملات صحيحة ومنتجة لآثارها».
  • اللائحة (المادة 73) تمنع إجراء المقاصة بناء على حوالة دين نشأت بعد تقديم طلب افتتاح أي من إجراءات التصفية، والمادة (75) تُجريها وفق أسعار الصرف في تاريخ الافتتاح.

وأضيف قيدين: المادة (189) تقرر أن حظر المقاصة لا يؤثر في حساب قيمة مطالبة الدائن لغرض التصويت، فتكون قيمتها ما تبقى بعد خصم ما للمدين من حق. والمادة (214) تستثني — حفاظاً على استقرار النظام المالي — بعض العقود والصفقات محل ترتيبات الضمانات والمقاصة المرتبطة بالمعاملات المالية، وتحددها اللائحة بقرار من الجهات المالية المختصة.

وبجانب ذلك يعمل تعليق المطالبات: المادة (20) تمنع خلال مدته أي إجراء أو تصرف أو دعوى تجاه المدين أو أصوله، وأي تنفيذ على الأصول المقدمة كضمانات إلا بموافقة المحكمة، وأي إجراء ضد الضامن الشخصي أو مقدم الضمان العيني إلا بموافقتها، «ويعد باطلاً كل إجراء مخالف».

ما لا أستطيع أن أقوله لك

لن أصف لك ما يفعله بنكك في اليوم التالي للقيد، لأني لم أجد لذلك مصدراً نظامياً منشوراً؛ وما يُروى عن تقييد الحركة أو إيقاف التسهيلات خبرة تُعالَج مع البنك، لا حكماً أنقله لك. ولن أرسم لك آلية انتقال الحسابات القائمة إلى الأمين ولا مدة لها، فالنظام لم ينص عليها. ولن أعطيك رقماً لنفقة «المعيشة بالمعروف»، ولا نسبة، ولا إحصائية عن مآلات هذه الملفات.

ما أستطيع قوله إن السؤال عن الحسابات البنكية في الإفلاس يُجاب عليه بترتيب ثلاثة أشياء قبل تقديم الطلب: نوع الإجراء الذي نطلبه، وتوصيف ما هو «نشاط معتاد» في ملفك حتى لا يقع تصرفك تحت البطلان، وموقف كل بنك تتعامل معه من المقاصة بحسب الإجراء. هذه الثلاثة نضعها على الورق أولاً، ثم نتحدث عن الطلب.

حساباتك: ما يُجمَّد وما يُدار

نحدّد وضع حساباتك في كل إجراء قبل أن تفاجئك المراسلات.

احجز استشارة←

هذا المقال محتوى تعريفي عام عن نظام الإفلاس السعودي، ولا يقوم مقام الاستشارة القانونية في واقعة بعينها. لكل حالة وقائعها ومواعيدها.