أكتب / مقال

مسؤولية مدير الشركة في الإفلاس: متى تُلاحَق أموالك الخاصة؟

أحمد الدخيّل أحمد الدخيّل
مسؤولية مدير الشركة في الإفلاس: متى تُلاحَق أموالك الخاصة؟

يصلني هذا السؤال في الجلسة الأولى، قبل أن نفتح ملف الشركة أصلاً: «لو راحت الشركة، يوصلون لبيتي؟» الرجل لا يسأل عن نظام، يسأل عن أسرته. أجيب بصراحة: الأصل أن ذمتك ليست ذمة شركتك، وأن الدائن يقف عند حدود الكيان لا عند بابك. لكن النظام ترك أبواباً معدودة تُخترق منها هذه الحماية، وأكثرها لا يُفتح إلا بفعل صدر منك أنت — قبل افتتاح الإجراء أو أثناء سريانه. في هذا المقال أضع تلك الأبواب أمامك باباً باباً، وأقول لك ما الذي يُبقيها مغلقة.

الأصل الذي تبدأ منه: ذمة الشركة ليست ذمتك

نظام الشركات يقرر في المادة (9) أن الشركة «تكتسب الشخصية الاعتبارية بعد قيدها لدى السجل التجاري». وفي تعريف الشركة ذات المسؤولية المحدودة — المادة (156) — عبارة لا تحتمل التأويل: «تعد ذمتها مستقلة عن الذمة المالية لكل شريك فيها أو المالك لها. وتكون الشركة وحدها مسؤولة عن الديون والالتزامات المترتبة عليها أو الناشئة عن نشاطها، ولا يكون المالك لها ولا الشريك فيها مسؤولاً عن هذه الديون والالتزامات إلا بقدر حصته في رأس المال».

وأنبّه هنا إلى أمر يخلط فيه كثيرون: هذا النص ورد في موضع تعريف الشركة ذات المسؤولية المحدودة تحديداً، فلا أنقله بحرفيته إلى كل شكل من أشكال الشركات. ولكل شكل أحكامه، وفي نظام الإفلاس نفسه نص صريح على أن «الملاك المتضامنين» مسؤولون عن تغطية ما ينقص من أصول التفليسة إذا لم تكفِ حصيلة بيعها للوفاء بديونها، ويطلب منهم الأمين الوفاء كتابةً في الموعد الذي يحدده، فإن تخلفوا تقدّم إلى المحكمة بطلب إلزامهم بالسداد (المادة 120/2).

ثم إن صفتك مديراً شيء، وصفتك شريكاً شيء آخر. المدين في الإجراء هو الشركة، لا أنت. ولهذا فإن مسؤولية مدير الشركة في الإفلاس ليست قاعدة عامة تُطبَّق كلما تعثرت شركة، بل استثناء لا يقوم إلا بسبب من الأسباب التي أعدّدها في هذا المقال.

أخطر باب: أن تُصفّي الشركة اختيارياً وهي عاجزة

هذا هو الطريق الأوضح — والأكثر وقوعاً في تجربتي — لنقل الدين من ذمة الشركة إلى ذمم مديريها. نظام الإفلاس يقول في المادة (7/1): «مع مراعاة ما ورد في المادة (الرابعة) من النظام، لا يصفى أي شخص بموجب نظام آخر إلا إذا كانت أصوله تكفي لسداد جميع ديونه وكان غير متعثر». ثم يرتب على المخالفة أثراً مباشراً في الفقرة (2): «إذا تم حل المدين وتصفيته اختيارياً بالمخالفة لحكم الفقرة (1) من هذه المادة، فيعد أعضاء مجلس إدارة المدين أو أعضاء مجلس مديريه، ومن في حكمهم، مسؤولين بالتضامن عن أي دين متبق في ذمة المدين». والفقرة (3) تحظر أصلاً إدراج بند التصفية الاختيارية للتصويت عليه في الجمعية العامة أو جمعية الشركاء بالمخالفة لذلك.

ونظام الشركات يقول الكلام نفسه من زاويته: المادة (242) توجب على المديرين أو أعضاء المجلس — قبل قرار الحل — إعداد بيان بفحص أوضاع الشركة يؤكد كفاية الأصول لسداد الديون بنهاية مدة التصفية المقترحة وأنها غير متعثرة وفقاً لنظام الإفلاس، ويُعرض خلال 30 يوماً من تاريخ إعداده. فإن تبيّن العجز أو التعثر «فلا يجوز للشركاء أو الجمعية العامة أو المساهمين اتخاذ قرار بحل الشركة، وإلا كانوا مسؤولين بالتضامن عن أي دين متبق في ذمتها». والمادة (244) تكرر الأثر نفسه وتوجب التقدم إلى الجهة القضائية المختصة لافتتاح إجراء تصفية وفق نظام الإفلاس.

واللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس (المادة 3) رسمت ما يجب تقديمه قبل إدراج البند للتصويت:

  • تقرير يعده مراجع الحسابات، مرافقة له ميزانية محدثة، يتضمن التأكيد على كفاية أصول المدين لسداد جميع ديونه بنهاية مدة التصفية الاختيارية المقترحة.
  • أن يُقدَّم هذا التقرير خلال مدة لا تزيد على 14 يوماً من تاريخ إعداده — فالتقرير القديم لا يصلح.
  • إقرار مكتوب منهم بأن المدين مستمر في سداد ديونه.
  • ويُقدَّم ذلك إلى الوزارة أو هيئة السوق المالية بحسب الأحوال.

خلاصة عملية: قرار «نقفل الشركة بهدوء» وهي عاجزة ليس مخرجاً، بل هو الفعل الذي يحوّل دين الشركة إلى دينك أنت بالتضامن.

الأفعال التي تنقل المساءلة إليك شخصياً

المادة (200) من نظام الإفلاس موجّهة صراحةً إلى المدين ذي الصفة الطبيعية و«مدير لدى مدين أو عضو في مجلس إدارته أو مجلس مديريه أو أي من مسؤوليه أو أي شخص آخر شارك في تأسيسه أو إدارته أو من في حكمهم». وهي تعدّ مخالفاً من ارتكب — قبل الافتتاح وأدى ذلك إليه، أو أثناء سريان الإجراء — واحداً أو أكثر من الأفعال الآتية متى ترتب عليه إضرار بحقوق أي من الأطراف بمن فيهم الدائنون:

  • إساءة التصرف في أصول المدين أو أصول التفليسة أو احتجازها أو إساءة استعمال الصلاحيات.
  • ممارسة نشاط المدين بقصد الاحتيال على دائنيه.
  • الاستمرار في ممارسة النشاط «مع انتفاء إمكانية تجنب التصفية» — وهذا هو نص المماطلة بعينه.
  • أساليب تنطوي على استهتار لتفادي أو تأخير افتتاح التصفية، «بما في ذلك بيع السلع بأقل من سعر السوق للحصول على سيولة نقدية».
  • إبرام صفقات دون مقابل أو بمقابل غير عادل.
  • سداد ديون أي من الدائنين بما يؤدي إلى الإضرار بدائنين آخرين — وكثير من التجار يفعلها بحسن نية حين يفضّل المورّد القريب أو الدائن من العائلة.
  • إساءة استغلال أي من إجراءات الإفلاس.

وتليها المادة (201) بأفعال أخرى بصيغة أوسع («كل من»)، منها اختلاس أو إخفاء الأصول، وإخفاء الدفاتر أو إتلافها أو التفريط في حفظها أو حفظ دفاتر «تكون بياناتها ناقصة أو غير منتظمة»، والاحتفاظ بحسابات وهمية، وتقديم معلومات مضللة أو غير صحيحة إلى أمين الإفلاس أو المحكمة أو لجنة الإفلاس، أو الامتناع عن تقديم معلومات مؤثرة فور طلبها. أُلفت نظرك إلى بند الدفاتر تحديداً: الفوضى المحاسبية وحدها فعل مخالف، لا مجرد إهمال إداري.

والجزاء في المادة (203): السجن مدة لا تزيد على 5 سنوات وغرامة لا تزيد على 5 ملايين ريال أو إحدى هاتين العقوبتين — دون إخلال بأي عقوبة أشد في نظام آخر. وللمحكمة إضافةً إلى ذلك، ولمدة لا تزيد على 5 سنوات، حظر إدارة أي منشأة ربحية بشكل مباشر أو غير مباشر، وحظر التصويت على قرارات الترشيح، وحظر تملّك حصص يترتب عليها قيامه بأعمال الإدارة. ولجنة الإفلاس تنشئ سجلاً لهذه العقوبات «ويكون منطوق الحكم متاحاً لاطلاع العموم» (المادة 204)، وتتيح اللائحة الاطلاع عليه بعد اكتساب الحكم الصفة النهائية، مقتصراً على الاسم ونوع العقوبة ومدتها. وفي العود خلال 3 سنوات من اكتمال تنفيذ العقوبة تُضاعف العقوبات (المادة 209).

الفرق بين الإهمال والغش كما رسمه النظام

القارئ يتصور الفرق أخلاقياً؛ والنظام رسمه بجزاءات مختلفة لا بمقياس كمي. فالإهمال أو سوء الإدارة أو عدم التعاون مع الأمين أثناء إعادة التنظيم المالي جزاؤه إجرائي: للأمين أن يطلب من المحكمة غل يد المدين عن الإدارة، ولها أن تكلّف الأمين بالإدارة بدلاً منه، أو تعيّن شخصاً يحل محله إذا كان حجم النشاط يقتضي ذلك، أو تنهي الإجراء وتفتتح التصفية (المادة 69/2).

أما المادة (200) فتشترط ثلاثة أركان مجتمعة: فعل من قائمتها، وأن يكون قد أدى إلى افتتاح الإجراء أو ارتُكب أثناء سريانه، وأن يترتب عليه إضرار. ثلاثة أركان، لا فعل مجرد. ثم يأتي الأثر المالي في المادة (205)، وهو مقيَّد بمناسبته: «للمحكمة عند النظر في إيقاع أي من العقوبات المنصوص عليها في المادة (الثالثة بعد المائتين)» أن تقضي — بناءً على طلب ذي مصلحة — ببطلان التصرف وآثاره، وباسترداد الأصول والحقوق المرتبطة بها، وبالتعويض. وإلى جانب ذلك تبقى القاعدة العامة في نظام الشركات (المادة 28) التي تكتفي بـ«أخطاء أو إهمال أو تقصير» لترتيب التعويض بالتضامن، وتُبطل كل شرط يقضي بغير ذلك.

ولن تجد في النظام نسبة ولا عتبة تفصل الإهمال عن الغش. النصوص تستعمل أوصافاً: «سوء إدارة»، «بقصد الاحتيال»، «مع انتفاء إمكانية تجنب التصفية»، «استهتار». والتقدير للمحكمة على وقائع كل ملف. من يعرض عليك معياراً رقمياً في هذا الباب فهو يبني على غير أصل.

التصرفات التي يمكن الطعن فيها قبل الافتتاح: 12 شهراً أو 24

هذه أكثر نقطة أرى أثرها في الملفات. المادة (210) تتيح لكل ذي مصلحة الاعتراض أمام المحكمة على تصرفات أجراها المدين خلال 12 شهراً السابقة لافتتاح الإجراء مع طرف غير ذي علاقة، أو خلال 24 شهراً السابقة للافتتاح مع طرف ذي علاقة. والتصرفات المعنية هي:

  • التنازل كلياً أو جزئياً عن أي من الأصول أو الحقوق أو الضمانات المقدمة للمدين.
  • إبرام صفقة دون مقابل أو بمقابل يقل عن القيمة العادلة.
  • إبرام صفقة تتضمن تسوية ديون قبل مواعيد استحقاقها أو تسويتها على نحو غير عادل.
  • تقديم ضمانات لديون قبل ثبوتها في الذمة.
  • إبراء ذمة مدينه جزئياً أو كلياً في دين مستحق له.

ومضاعفة المدة إلى 24 شهراً معلّقة على تعريف «الطرف ذي العلاقة» في المادة الأولى، وهو أوسع مما يظن أكثر التجار: المدير وعضو مجلس الإدارة ومن في حكمهما والشريك والمالك، وأقرباء هؤلاء والمدين حتى الدرجة الثالثة، ومن بينه وبين المدين علاقة عمل، وحالات السيطرة بما يوازي نسبة ملكية تزيد على 50%. فبيع سيارة الشركة لأخيك أو لموظفك أو لشركة تملكها ينقل التصرف من نافذة 12 شهراً إلى نافذة 24.

والحكم في المادة (211): تقضي المحكمة بالبطلان وآثاره «إلا إذا كان التصرف يحقق مصلحة المدين وكان غير متعثر أو مفلس وقت إجرائه»، ومع البطلان تقضي بالاسترداد أو دفع القيمة العادلة عند التعذر، وبإلزام من تسلّم مبالغ بردّها إلى أمين الإفلاس. وحقوق الغير حسن النية محفوظة ما لم يكن طرفاً في التصرف (المادة 212). وللطعن سقف: لا يُقبل الاعتراض بعد مضي 24 شهراً من تاريخ افتتاح الإجراء (المادة 210/2). وطريق الاعتراض على أحكام هذا الباب أمام محكمة الاستئناف منصوص عليه في اللائحة (المادة 80)، والمهلة العامة للاعتراض 14 يوماً فيما لم يرد فيه نص خاص (المادة 217/2).

«دعوى المسؤولية»: لماذا لا تجد هذا الاسم في النظام

يسألني بعض العملاء عن «دعوى المسؤولية» كأن مسؤولية مدير الشركة في الإفلاس باب مستقل يُرفع باسمه. قرأتُ النظام فلم أجد فيه دعوى بهذا الاسم. الموجود مسارات محددة، وهذه هي:

  • المسؤولية التضامنية عن الدين المتبقي عند التصفية الاختيارية المخالفة (المادة 7/2 من نظام الإفلاس، والمادتان 242 و244 من نظام الشركات).
  • مسؤولية الملاك المتضامنين عن تغطية ما نقص من أصول التفليسة (المادة 120/2).
  • البطلان والاسترداد والتعويض عند نظر المحكمة في العقوبات (المادة 205).
  • التعويض بموجب القاعدة العامة لمسؤولية الإدارة في نظام الشركات (المادة 28).

وأقول بأمانة إن مسألةً واحدة لم أجد نصاً يحسمها: هل يستطيع دائن منفرد أن يرفع دعوى تعويض مباشرة على المدير دون المرور بالمسار الجزائي؟ المادة (205) تربط القضاء بالتعويض بنظر المحكمة في العقوبات وتشترط طلب ذي مصلحة، والمادة (208) تجعل التحقيق والادعاء في الأفعال المجرَّمة للنيابة العامة، والمادة (206) تلزم الأمين بالتقدم إلى الجهة المعنية إذا اشتبه في ارتكاب فعل مجرَّم. فلا أجزم لك في هذه النقطة بجواب قاطع، وما نفعله في المكتب هو دراسة المسار الأنسب بحسب معطيات الملف بدل ادّعاء قاعدة عامة لا سند لها.

ما الذي يحمي المدير فعلاً

الحماية في هذا الباب ليست بلاغة دفاع، بل أوراق تُكتب في وقتها. وهذه أوضح ما في النصوص:

  • محضر الاجتماع. المادة (28) من نظام الشركات تجعل المسؤولية مشتركة على الجميع إذا صدر القرار بإجماعهم، «وإذا صدر القرار بأغلبية الآراء فلا يسأل المديرون أو الأعضاء المعارضون متى أثبتوا اعتراضهم صراحة في محضر الاجتماع». والغياب وحده لا يعفي إلا بإثبات عدم العلم بالقرار أو عدم التمكن من الاعتراض عليه بعد العلم به.
  • الدفاتر. انتظام الحسابات وحفظ مستنداتها ليس ترفاً محاسبياً بعد أن جعلت المادة (201) خلافه فعلاً مخالفاً.
  • التوقيت. المادة (45) من نظام الإفلاس والمادة (42) من لائحته تعفي المدين والمالك والمدير والمسؤول وعضو مجلس الإدارة ومراجع الحسابات من تطبيق أحكام نظام الشركات فيما يخص بلوغ الخسائر النسبة المحددة فيه، إذا قُيّد طلب افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي قبل انتهاء المدة المحددة في ذلك النظام، ما لم تقضِ المحكمة برفض الافتتاح أو إنهائه. فالتقدم بالطلب حماية نظامية صريحة، لا اعتراف بالفشل. والتأخير هو ما ينقلك إلى نطاق المادة (200) بفقرتها الثالثة.
  • التأمين. المادة (28) نفسها تجيز للشركة توفير تغطية تأمينية لمديرها أو عضو مجلس إدارتها ضد أي مسؤولية أو مطالبة تنشأ بسبب صفته.

أين تقف حدود هذا الكلام

ما سبق مبني على نصوص نظام الإفلاس ولائحته التنفيذية، وعلى نصوص من نظام الشركات ذكرتُها في مواضعها لأنها هي مصدر مبدأ استقلال الذمة وقاعدة مسؤولية الإدارة. والتفصيل في أحكام أشكال الشركات ومدد التقادم وحدود مسؤولية الشركاء المتضامنين خارج نطاق هذا المقال ونطاق تخصصي في الإفلاس.

ولا أعطيك في هذا الباب أرقاماً لا سند لها: لا نسبة تفصل الإهمال عن الغش، ولا إحصائية عن نسب المساءلة، ولا سوابق أستشهد بها. ما أستطيع قوله إن مسؤولية مدير الشركة في الإفلاس تُقاس بأفعال محددة وتواريخ محددة، وإن أول ما نفعله حين يصلنا ملف هو رسم خط زمني للأربعة والعشرين شهراً السابقة لتاريخ الافتتاح المتوقع، ووضع كل تصرف ومحضر وسداد على هذا الخط قبل أن يفعله غيرنا. مراجعة مسؤولية مدير الشركة في الإفلاس تبدأ من هناك، لا من يوم صدور الحكم.

الخط الفاصل بين ذمّة الشركة وذمّتك

أول ما نفعله رسم خط زمني لقراراتك — منه يُعرف موقعك.

احجز استشارة←

هذا المقال محتوى تعريفي عام عن نظام الإفلاس السعودي، ولا يقوم مقام الاستشارة القانونية في واقعة بعينها. لكل حالة وقائعها ومواعيدها.