أكتب / مقال

تكلفة إجراءات الإفلاس: الرسوم والأتعاب ومن يتحمّلها

أحمد الدخيّل أحمد الدخيّل
تكلفة إجراءات الإفلاس: الرسوم والأتعاب ومن يتحمّلها

قبل أن يسألني التاجر عن فرصه في ترتيب ديونه، يسألني عن الفاتورة. يجلس أمامي ومعه دفتر ديون لم يعد يقوى على سدادها، ثم يقول جملةً واحدة: وهذا الإجراء نفسه، كم سيكلّفني؟ السؤال مشروع، والإجابة الصادقة عنه ليست رقماً واحداً. سأفصّل لك هنا ما نصّ عليه النظام فعلاً في تكلفة إجراءات الإفلاس: ما تُعفى منه، ومن أين تُدفع المصروفات، ومن يقدّر أتعاب الأمين وبأي معيار، وما الذي لا يدخل في التقدير الأول فيفاجئ صاحبه بعد أشهر — وسأقول لك بوضوح أين يسكت النظام فلا أملك أن أعطيك رقماً.

أول ما أطمئن عليه العميل: دعاوى الإفلاس مستثناة من التكاليف القضائية

حين صدر نظام التكاليف القضائية ظنّ كثير من التجار أن باب المحكمة صار يُفتح بنسبة من قيمة المطالبة. والمادة الثالثة من ذلك النظام تفرض على الدعاوى عموماً «مبلغ لا يزيد على ما نسبته (5%) من قيمة المطالبة، وبحد أعلى مبلغ مليون ريال». رقم كهذا يكفي وحده ليقعد مديناً متعثراً عن طلب حقه.

لكن المادة الثانية من النظام نفسه تعدّد ما لا يسري عليه، وفيها بند صريح: «الدعاوى والطلبات الناشئة عن تطبيق أحكام نظام الإفلاس». فالباب الذي يخشى التاجر رسمه هو الباب الذي أعفاه النظام منه.

وأقف عند تفصيل أنقله كما هو ولا أزيد عليه: في بنود مجاورة — كالأحوال الشخصية وقسمة التركات — وردت عبارة استدراك «عدا طلب النقض وطلب التماس إعادة النظر». هذا الاستدراك لم يرد في بند الإفلاس؛ جاء البند مطلقاً. رأيتُ من ينشر خلاف ذلك ويجزم به، وأنا أكتفي بنقل النص.

من أين تُدفع مصروفات الإجراء؟

هنا المفصل الحقيقي في تكلفة إجراءات الإفلاس، لا في الرسم القضائي. المادة التاسعة عشرة من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس تقول بنصها الكامل: «تدفع مصروفات إجراء الإفلاس من أصول التفليسة، ما لم يثبت تعدٍّ أو تفريط.»

ثم يأتي الترتيب، وهو ما يغيّر شكل السؤال كله. المادة الخامسة والتسعون بعد المائة من النظام: «تكون لأتعاب ومصروفات أمين الإفلاس والخبير -إن وجد- ومصروفات بيع أصول التفليسة أولوية على الديون في إجراء التصفية وإجراء التصفية لصغار المدينين، ويجب الوفاء بها قبل توزيع حصيلة بيع أصول التفليسة على الدائنين.»

أقولها بصراحة للدائن قبل المدين: أتعاب الأمين والخبير ومصروفات البيع تُستوفى قبل توزيع حصيلة بيع الأصول على الدائنين — هذا منطوق المادة، وهو غير ترتيب أولوية الديون في المادة (196) الذي يتصدّره الدين المضمون ضماناً عينياً.

وفي غير التصفية يختلف الترتيب لا المبدأ. المادة الثامنة والسبعون من اللائحة ترتّب ما يُدفع قبل إنهاء إجراء التسوية الوقائية أو إعادة التنظيم المالي على هذا النحو:

  • «أي أتعاب أو مصروفات للأمين أو الخبير يحل أجل سدادها أثناء سير الإجراء».
  • «أي تمويل حصل عليه المدين وفق أحكام الفصل (العاشر) من النظام».
  • «المصروفات اللازمة لاستمرار نشاط المدين أثناء الإجراء».

وفي التصفية الإدارية تبدأ المادة الحادية والسبعون من اللائحة الترتيب بـ: «أ – أتعاب ومصروفات لجنة الإفلاس. ب – التوزيع على الدائنين».

وثمة بندان يغفل عنهما كثيرون وهما يزيدان في الحسبة: المادة الثامنة والعشرون من اللائحة تجعل «أي مصروفات معقولة تكبدها عضو لجنة الدائنين لحضور اجتماعات اللجنة» مدفوعةً من أصول التفليسة؛ والمادة الثالثة عشرة بعد المائتين من النظام تعطي أمين الإفلاس أن «يستوفي من أصول التفليسة النفقات أو المصروفات المتعلقة بأي إجراء يتقدم به إلى المحكمة أو الجهة المعنية بموجب أحكام هذا الفصل ما لم تقض المحكمة بإلزام طرف آخر بتحمل تلك النفقات أو المصروفات».

أتعاب الأمين: من يقدّرها، وبأي معيار

النظام لم يضع رقماً بنفسه، ولم يترك الأمر فوضى. المادة الخامسة والخمسون منه تقول جملةً واحدة: «تحدد اللائحة آلية تقدير أتعاب الأمين والخبير والمصروفات ذات العلاقة.» واللائحة أحالت بدورها: المادة الرابعة والتسعون منها تقرّر أن الأمين والخبير يستحقان أتعاباً «نظير أداء المهمات المكلفين بها في إجراء الإفلاس وفق قواعد أتعاب الأمناء والخبراء»، والمادة السابعة والتسعون تنص على أن «يصدر وزير العدل -بالتنسيق مع لجنة الإفلاس- قواعد أتعاب الأمناء والخبراء».

وهذه القواعد منشورة رسمياً، وفي مادتها الخامسة معايير التقدير:

  • عدد الدائنين، وإجمالي الديون، وإجمالي قيمة الأصول.
  • نوع المهمة، ودرجة تعقيدها ومخاطرها.
  • قدرات الأمين أو الخبير ومؤهلاته وخبراته، ومؤهلات فريق عمله.
  • عدد الأمناء أو الخبراء المكلفين بالمهمة الواحدة.
  • وجود نشاط جوهري في إجراء التصفية يتطلب زيادة الأعباء الإدارية.

ولهذا حين يسألني تاجر عن رقم قبل أن يريني دفاتره، أقول له إن السؤال سابق لأوانه — لا مماطلةً، بل لأن المعايير نفسها تبدأ من عدد دائنيك وحجم أصولك، ولا أحد يستطيع تقديرها قبل أن يراها.

الأرقام المقطوعة الوحيدة — وحدود ما أستطيع قوله

في المادة السادسة من قواعد الأتعاب أرقام صريحة، وهي وحدها ما أنقله بثقة:

  • «مبلغ مقطوع لا يتجاوز (عشرة آلاف) ريال سعودي» مقابل التأشير على مقترح إجراء التسوية الوقائية باستيفائه المعلومات والوثائق المطلوبة.
  • «مبلغ مقطوع لا يتجاوز (ثلاثين ألف) ريال سعودي» مقابل إعداد التقارير المنصوص عليها في النظام واللائحة ذات الصلة بإجراء التسوية الوقائية.
  • وللعمل أميناً لإعادة التنظيم المالي أو للتصفية: «مبلغ يقدر بناء على عدد الدائنين، وإجمالي الديون، وإجمالي قيمة الأصول، وفقاً لما هو موضح في جداول شرائح الدائنين، والديون، والأصول».
  • وللأمين المؤقت: «بما لا يتجاوز ما نسبته (10%) مما هو موضح في جداول شرائح الدائنين، والديون، والأصول، على ألا يقل عن (ثلاثين ألف) ريال سعودي».

وتضيف المادة السابعة صلاحية للمحكمة في «الزيادة أو النقص في الأتعاب المقدرة … بما لا يتجاوز نسبة (50%)، على أن تبين أسباب ذلك». وتجيز المادة الحادية عشرة للأمين أو المدين أو الدائن طلب تعديل الأتعاب «إذا حدث تغير جوهري يزيد على (30%)» في محددات التقدير. فالرقم الأول ليس رقماً نهائياً في كل حال؛ هو تقدير يقبل المراجعة صعوداً ونزولاً.

وهنا أقف وقفة أمانة أفضّلها على أي جدول جذّاب: الجداول التي تحيل إليها القواعد ملحق منفصل، ولم أضع يدي على نسخة أستطيع الاعتماد عليها. فلن تجدني أكتب لك منها شريحة ولا مبلغاً. وأتعاب الخبير أوضح في نصّها وأقل في تفصيلها: «تقدر أتعاب الخبير وفق القواعد والأعراف المعمول بها في مجال خبرته» — لا جدول رقمي البتّة. فمن يعطيك نسبةً للخبير فهو يجتهد من عنده لا من النص.

ما لا تشمله أتعاب الأمين — وهذا ما يغيب عن التقدير الأول

المادة الرابعة من قواعد الأتعاب تقول إن أتعاب الأمين تغطي «جميع الأعمال المنصوص عليها في النظام، واللوائح والقواعد ذات الصلة بأداء المهمة، بما في ذلك مصروفات مكتبه وفريق عمله ونحوها من المصروفات الاعتيادية». وهذه جملة مطمئنة: أجور فريقه ومكتبه ليست فاتورة إضافية عليك.

ثم تستثني الفقرة التالية ثلاثة بنود لا تشملها الأتعاب:

  • أعمال الأمين المعيَّن محل المدين في إجراء إعادة التنظيم المالي عند غل يد المدين.
  • مصروفات القضايا لمصلحة المدين أو ضده.
  • مصروفات إعداد القوائم المالية للمدين.

ثم تعود القواعد فتعطي المحكمة أن «تقرر إدراج أي مما ورد في الفقرة (2) … ضمن أتعاب الأمين». أي إن الاستثناء نفسه ليس قاطعاً، وللمحكمة أن تضمّه.

هذه البنود الثلاثة هي التي تربك الحسبة عند من ينظر إلى الرقم الأول ويحسبه نهاية الحكاية. وقف عند البند الثاني تحديداً: إن كان نشاطك مثقلاً بدعاوى قائمة — وهذا حال أكثر من يصلني — فمصروفات تلك الدعاوى ليست داخل أتعاب الأمين.

هل تختلف تكلفة إجراءات الإفلاس باختلاف الإجراء؟

تختلف في ثلاثة مواضع على الأقل. وقبل أن أعدّدها، تصحيح لشائع: كثير من الكتابات تتحدث عن «الإجراءات الثلاثة»، وصفحة لجنة الإفلاس تعدّد سبعة إجراءات — التسوية الوقائية، وإعادة التنظيم المالي، والتصفية، والتصفية الإدارية، وثلاثة إجراءات لصغار المدينين. فحين نجلس لاختيار المسار، نحن لا نختار من ثلاثة.

أما مواضع الاختلاف فهي:

  • ترتيب السداد. في التصفية أولوية نصّية للأتعاب على الديون (المادة 195)، وفي التسوية وإعادة التنظيم ترتيب من ثلاث درجات تبدأ بالأتعاب ثم التمويل ثم مصروفات استمرار النشاط (اللائحة، المادة 78)، وفي التصفية الإدارية بندان: أتعاب اللجنة ثم التوزيع (اللائحة، المادة 71).
  • شكل الأتعاب. في التسوية الوقائية مبالغ مقطوعة بسقوف منصوصة، وفي إعادة التنظيم والتصفية تقديرٌ محكوم بالجداول.
  • من يدير الإجراء. في التصفية الإدارية تتولى لجنة الإفلاس الإدارة بنص المادة الحادية والسبعين بعد المائة، لا أمين مأجور من الأصول — وهذا فرق جوهري سأعود إليه في آخر المقال.

متى تُصرف الأتعاب؟ التوقيت يغيّر شكل الفاتورة

لا يكفي أن تعرف المقدار، بل متى يُقتطع. وقواعد الأتعاب فصّلت ذلك بحسب الإجراء.

في إعادة التنظيم المالي، المادة الثامنة: «استحقاق نسبة (50%) من الأتعاب عن المرحلة من افتتاح الإجراء إلى التصويت على المقترح»، ثم «استحقاق نسبة (25%) من الأتعاب عند تصديق المحكمة على المقترح».

وفي التصفية، المادة التاسعة: «استحقاق نسبة (75%) من الأتعاب موزعة على مدة الإجراء»، ثم «استحقاق نسبة (25%) من الأتعاب عند صدور الحكم بإنهاء الإجراء بعد اكتمال جميع أعمال الإجراء ومهماته، بما في ذلك الدعاوى والبيع والتوزيع، على أن يحتفظ بمبلغ يعادل هذه النسبة قبل التوزيع على الدائنين». والمادة نفسها تشترط أن «يكون صرف الأمين لأتعابه بعد الحصول على موافقة المحكمة، ولها أن تأذن له بصرف الأتعاب بشكل دوري».

وللأمين المؤقت حساب آخر في المادة العاشرة: «استحقاقها على أساس شهري لمدة (ثلاثة) أشهر، وفي حال زيادة مدة المهمة على ذلك فتحدد المحكمة أتعاباً جديدة عن تلك المدة». وللمحكمة كذلك — بالمادة الثالثة عشرة — «تقرير صرف دفعة أو دفعات تحت الحساب للأمين إلى حين إصدار قرار تحديد الأتعاب».

وثمة جزاء نظامي يفيد المدين ولا ينتبه له: المادة الثانية والخمسون من النظام ترتّب على مخالفة الأمين أو الخبير واجب الإفصاح «عزله وعدم استحقاقه لأي أتعاب». فالأتعاب ليست مضمونة لصاحبها مهما جرى.

وإن لم تكفِ الأصول أصلاً لتغطية تكلفة إجراءات الإفلاس؟

هذا سؤال يصلني كثيراً، وله في النظام مخرج مكتوب لا اجتهاد فيه.

أولاً، المحكمة نفسها ترفض افتتاح التصفية «إذا كانت أصول المدين لا تكفي للوفاء بمصروفات إجراء التصفية» (المادة 99). وإن انكشف العجز بعد الافتتاح، فالمادة الثانية والعشرون بعد المائة تنهي الإجراء متى تقدم الأمين بطلب الإنهاء «لعدم كفاية حصيلة بيع أصول التفليسة للوفاء بمصروفات إجراء التصفية».

ثانياً، البديل موجود ومقصود. المادة السابعة والستون بعد المائة: «يهدف إجراء التصفية الإدارية إلى بيع أصول التفليسة التي لا يتوقع أن ينتج عن بيعها حصيلة تكفي للوفاء بمصروفات إجراء التصفية أو إجراء التصفية لصغار المدينين.» وتتولى إدارته لجنة الإفلاس بحكم المحكمة (المادة 171)، أي جهة حكومية بدل أمين تُقتطع أتعابه من أصول ليست موجودة أصلاً. وتمويل اللجنة نفسه منصوص عليه: «تتولى الوزارة توفير الموارد المالية اللازمة لممارسة لجنة الإفلاس اختصاصاتها وأداء مهماتها» (المادة 12)، وللّجنة أن «تستوفي مقابلاً مالياً نظير ما تصدره من تراخيص وما تقدمه من خدمات وأعمال … ويحدد الوزير ذلك المقابل وإجراءات دفعه».

وثالثاً، فيه تخفيف على مسار العمل نفسه: المادة الثالثة بعد المائة تجيز للأمين — بعد موافقة المحكمة — التوقف عن التحقق من المطالبات المقدمة إليه «إذا تبين له أن مصروفات الإجراء والديون المضمونة تستغرق حصيلة بيع الأصول مجتمعة». لا معنى لإنفاق أشهر على فحص مطالبات لن يبقى لها ما يُوزَّع.

ما لا أستطيع أن أقوله لك برقم — وما أفعله بدلاً عنه

سأكون صريحاً في ثلاث نقاط قبل أن نبدأ العمل معاً:

  • لا يوجد رقم إجمالي منشور لتكلفة إجراءات الإفلاس. التقدير قضائي، حالةً بحالة، بمعايير المادة الخامسة من قواعد الأتعاب. ومن يعطيك «من كذا إلى كذا ريال» فهو يخمّن.
  • لا أستطيع أن أَعِدك بأنك لن تدفع شيئاً مقدماً، ولا بالعكس. ما ينص عليه النظام هو أن المصروفات تُدفع من أصول التفليسة وأن للأتعاب أولوية على الديون. وما وراء ذلك لم أقرأه في نص، فلا أقوله.
  • أتعاب المحامي شيء آخر تماماً. لا ينظمها نظام الإفلاس ولا قواعد الأتعاب، وهي اتفاق بينك وبين مكتبك، ويجب أن تُبحث على حدة لا أن تُخلط بأتعاب الأمين.

أما ما نفعله نحن حين يصلنا ملف، فثلاثة أشياء عملية: نحصر الأصول والديون وعدد الدائنين أولاً — لأن هذه هي المعايير التي ستُقاس بها الأتعاب لاحقاً، فمن يعرفها مبكراً يعرف اتجاه الرقم قبل غيره؛ ثم نقرأ بند «ما لا تشمله الأتعاب» على ملفك تحديداً، فنعرف إن كانت دعاواك القائمة أو قوائمك المالية ستضيف عبئاً مستقلاً؛ ثم نتابع مواعيد الصرف وقرارات المحكمة بشأنها، لأن صلاحية الزيادة أو النقص بنسبة تصل إلى 50% وصلاحية تعديل الأتعاب عند تغيّر جوهري يزيد على 30% كلتاهما بابٌ يُطرق في وقته، لا بعد فواته.

وأنا لا أعدك بمقدارٍ ولا بنتيجة. أعدك أن نضع أمامك ما نصّ عليه النظام، وأن نقول لك «لا أعلم» حيث لا نعلم.

قبل أن تسأل عن الرقم، اعرف مسارك

تقدير التكلفة يبدأ من عدد دائنيك وحجم أصولك — وهذه أول ورقة نقرؤها معاً.

احجز استشارة←

هذا المقال محتوى تعريفي عام عن نظام الإفلاس السعودي، ولا يقوم مقام الاستشارة القانونية في واقعة بعينها. لكل حالة وقائعها ومواعيدها.