يصلني هذا السؤال من طرفين متقابلين: تاجر وقّع كفالة عن شريكه ثم افتتح شريكه إجراءً، ودائن يخشى أن يضيع حقه لأن مدينه دخل النظام. وجوابي واحد لهما: مركز الكفيل في نظام الإفلاس لا يُقرأ من مركز المدين وحده. والقاعدة التي أبدأ منها أن الإجراء يعالج ذمّة المدين المتعثّر بالدرجة الأولى، أما أثره على من ضَمِنه فيحدّده نصّ النظام: لا يُبرئ افتتاح الإجراء ذمّة الكفيل ولا الملتزم بالتضامن؛ فتعليق المطالبات عُرّف بأنه تعليق الحق في اتخاذ أي إجراء أو تصرف أو دعوى تجاه المدين أو أصوله أو الضامن لدين المدين خلال فترة محددة (المادة الأولى من النظام)، ولا يجوز خلال هذه المدة اتخاذ أي إجراء أو تصرف ضد الضامن الشخصي أو مقدّم الضمان العيني إلا بموافقة المحكمة (المادة العشرون من النظام)، كما لا يجوز لغير المحكمة اتخاذ إجراء نظامي ضد أي متضامن مع المدين قدّم ضماناً شخصياً أو عينياً (المادة الثامنة والتسعون من النظام). وفيما يلي أفصّل أين تُطرح المسألة، وما الذي يتغيّر باختلاف المسار، وما الذي يملكه الكفيل بعد أن يدفع.
الفرق بين الكفالة والضمان في التزامك
الناس يستعملون الكلمتين على أنهما شيء واحد، والورقة الموقّعة لا تستعملهما كذلك. الكفالة التزام تابع: أنت تضمّ ذمّتك إلى ذمّة المدين في وفاء دين قائم، فوجود التزامك مرتبط بوجود الدين الأصلي وصحّته ومقداره. أما «الضمان» فيرد في المعاملات وصفاً أوسع، وقد يُصاغ في العقد التزاماً مستقلاً عن العلاقة الأصلية بحيث يُطالَب به عند أول طلب دون بحث في تفاصيل المديونية.
الفارق ليس لغوياً. حين يدخل المدين إجراءً من إجراءات النظام، يصير السؤال الأول: ما طبيعة الورقة التي بيد الدائن؟ ولهذا أطلب دائماً قراءة أربعة بنود قبل أي نقاش: هل الكفالة تضامنية أم مقيّدة بحقّ التجريد؟ وهل هي محدّدة بسقف مبلغ ومدة أم مطلقة؟ وهل تمتد إلى التجديدات والتسهيلات اللاحقة؟ وهل وقّع معك كفلاء آخرون فتوزّع العبء أم تحمله وحدك؟
لُبّ المسألة: الحسم في هذا الباب يبدأ من صياغة الكفالة قبل نصوص النظام. الورقة تسبق النظام في الترتيب المنطقي، ثم يأتي النظام ليحدّد أثر الإجراء عليها.
هل يتحرّر الكفيل في نظام الإفلاس بمجرد افتتاح الإجراء؟
الجواب المختصر: لا، ليس بمجرد الافتتاح. حين تفتتح المحكمة إجراء تسوية وقائية أو إعادة تنظيم مالي، يترتب على ذلك حماية مؤقتة تحيط بالمدين وأمواله حتى لا يتفكك النشاط تحت ضغط المطالبات الفردية، وغايتها إعطاء المدين فرصة منظّمة، وهي موجّهة إلى ذمّته هو. أما التصفية فمسار مختلف في غايته يأتي تفصيله بعد قليل.
وموقع الكفيل في نظام الإفلاس يُفهم من هذه الغاية: الالتزام الذي وقّعتَه هو التزام قائم بذاته تجاه الدائن، ولم تفتتح أنت إجراءً، ولم تُوضع أموالك تحت إشراف أمين. غير أن نطاق الوقف ومدّته وما إذا كان يمتدّ إلى أشخاص غير المدين مسألة يحدّدها النظام بنصّه، ولا تُقاس بالتخمين: يمتدّ وقف (تعليق) المطالبات إلى الكفيل ومقدّم الضمان العيني فلا يُتخذ ضدّه إجراء إلا بموافقة المحكمة (المادتان العشرون والثامنة والتسعون من النظام)، أما مدته فتختلف باختلاف الإجراء: في التسوية الوقائية لا تزيد على تسعين يوماً من تاريخ افتتاح الإجراء وتُمدَّد ثلاثين يوماً لمرة أو أكثر بحدٍّ أقصى مائة وثمانين يوماً (المادة الثامنة عشرة)، وفي إعادة التنظيم المالي يترتّب على قيد الطلب أو افتتاح الإجراء تعليق المطالبات حتى رفض الطلب أو التصديق على المقترح أو إنهاء الإجراء (المادة السادسة والأربعون)، وفي التصفية حتى الحكم برفض طلب الافتتاح أو بإنهاء الإجراء (المادة السابعة والتسعون).
أثر خطة التسوية أو إعادة التنظيم على الكفيل
في التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي يُعرض على الدائنين مقترح يتضمّن جدولة أو تخفيضاً أو إمهالاً، فيصوّتون عليه ثم تصادق عليه المحكمة. والمصادقة تجعل الخطة ملزمة للدائنين في علاقتهم بالمدين. والسؤال الحسّاس: إذا خُفّض الدين على المدين بموجب الخطة، هل ينزل الالتزام على الكفيل بالقدر نفسه؟
القاعدة العامة في أنظمة الإفلاس أن ما يناله المدين من تخفيف بموجب خطة معتمدة لا ينسحب تلقائياً إلى من ضَمِنه، لأن غاية النظام إنقاذ النشاط لا إسقاط ضمانات الدائن. لكن هذه قاعدة لها نصّها وحدودها واستثناؤها بالاتفاق، ولا يصحّ الاعتماد عليها في قضية بعينها دون الرجوع إلى المادة الناظمة: لم يرد في النظام نصّ يقضي بأن التصديق على الخطة يُبرئ كفيل المدين؛ إذ جعل النظام الخطة ملزمة للمدين والدائنين والملاك دون سواهم (المادة السابعة والثلاثون)، ونصّ على أنه لا يترتّب على الحكم بإنهاء إجراء إعادة التنظيم المالي إعفاء الضامن لتنفيذ الخطة من التزاماته (المادة الثامنة والثمانون). وكذلك نصاب التصويت الذي تُعتمد به الخطة: النصاب المطلوب لقبول المقترح هو موافقة كل فئة من فئات الدائنين على حدة، وتتحقق موافقة الفئة بتصويت دائنين تمثل مطالباتهم ثلثي قيمة ديون المصوّتين فيها، على أن يكون من بينهم دائنون تمثل مطالباتهم أكثر من نصف قيمة ديون الأطراف غير ذوي العلاقة إن وُجدوا (المادة ٣١ من النظام)، ثم يُرفع المقترح المقبول إلى المحكمة للتصديق عليه (المادة ٣٢ من النظام).
عملياً، هذا هو الموضع الذي يتفاوض فيه الكفيل المتنبّه: إدراج بند صريح في المقترح المعروض على الدائنين يعالج وضعه، أو الحصول على مخالصة مكتوبة مقابل مساهمة في التمويل، أفضل من الاتكاء على تفسير عام. ومما يُخطئ فيه الكفيل أنه يترك الخطة تُعتمد وهو غائب عن التفاوض، ثم يفاجأ بأنها لم تذكره بحرف. ومن أراد فهم الصورة الأوسع لأثر الإجراءات على الديون فقد أفردتُ لها مقالاً مستقلاً في هل يسقط الإفلاس الديون والقروض؟.
أثر التصفية على مطالبة الكفيل
التصفية مسار مختلف في غايته: لا إنقاذ للنشاط، بل بيع لأصول المدين وتوزيع حصيلتها على الدائنين وفق ترتيب الأولويات. وهنا يُطرح السؤال الأشدّ إلحاحاً على الكفيل في نظام الإفلاس: الدائن الذي لا يستوفي كامل حقّه من حصيلة التصفية، يبقى السؤال عن الرصيد غير المستوفى وأثر انتهاء التصفية عليه، وهو ما يحدّده النظام: لا تبرأ ذمّة المدين ذي الصفة الطبيعية بعد إزالة اسمه من سجل الإفلاس من أي دين متبقٍّ في ذمّته إلا بإبراء خاص أو عام من الدائنين، ويظلّ مفلساً في مواجهة تلك الحقوق المتبقية مدة أربعة وعشرين شهراً من إنهاء إجراء التصفية (المادة الخامسة والعشرون بعد المائة من النظام)؛ ولم يرد نصّ يُبرئ الكفيل من هذا الرصيد غير المستوفى.
ومصلحة الكفيل تقتضي متابعة مجريات التصفية لا الانعزال عنها. أما مواعيد تقديم المطالبات وقيدها فلها آجال محددة في النظام: تسري على إجراء التصفية أحكام المادة (٥٦) من النظام بموجب المادة (١٢٦)، فيدعو الأمين الدائنين إلى تقديم مطالباتهم خلال مدة لا تزيد على تسعين يوماً من تاريخ الإعلان — ومن تاريخ التبليغ للدائنين المعلومين لديه — وهي المدة التي أحالت إليها المادة (١١٢) صراحةً بوصفها «مدة التسعين يوماً المحددة في المادة السادسة والخمسين». وللاطلاع على ترتيب المسارات ومواضعها راجع صفحة الإجراءات السبعة.
حق الكفيل في الرجوع على المدين
إذا دفع الكفيل، لم ينتهِ دوره عند الدفع. والأصل أن من وفّى دين غيره يرجع عليه بما أدّاه، وضبط مرتبة هذا الرجوع داخل الإجراء يحدّده النظام: لم يفرد النظام للكفيل مرتبة أولوية خاصة؛ وإنما أجاز لكل ضامن أوفى بجزء من دين المدين أن يتقدّم بمطالبة إلى الأمين بالمبلغ الذي أدّاه، ويخصم الدائن ما استوفاه من مطالبته (المادة الحادية عشرة بعد المائة)، ثم تُرتَّب المطالبات وفق مراتب الأولوية العامة المنصوص عليها في المادة السادسة والتسعين بعد المائة. غير أن هذا الأصل النظري يصطدم بواقع بسيط: المدين الذي دفعتَ عنه هو نفسه المدين المتعثّر الذي يخضع لإجراء.
وهذا يقودنا إلى نقطة يغفل عنها كثيرون: قد يقتضي الإجراء قيد مطالبة الكفيل بوصفها مطالبة محتملة قبل أن يدفع، حتى لا يجد الباب مغلقاً بعد الدفع. وضبط ذلك يتوقف على النصّ: يقيد الكفيل مطالبته المحتملة لدى أمين الإفلاس ضمن المطالبات «الموقوفة على شرط أو المحتملة»، مرفقاً بها الوثائق وبيان قيمتها في تاريخ حكم الافتتاح (المادة الثالثة والستون من النظام)، وذلك خلال المدة التي يحدّدها الأمين في دعوته وبما لا يزيد على تسعين يوماً من تاريخ الإعلان أو التبليغ (المادة السادسة والخمسون)، وتسري هذه الأحكام على إجراء التصفية أيضاً بموجب الإحالة الواردة في المادة السادسة والعشرين بعد المائة. وتقدير هذا الموقف بدقة مما يُبحث عند حجز موعد استشارة في ملفات الكفالة، لأن خطأ التوقيت فيه لا يُستدرك لاحقاً.
ماذا تفعل حين تصلك أول مطالبة
المطالبة الأولى ليست حكماً، لكنها تفتح ساعة لا تتوقف. والترتيب الذي يقتضيه الموقف:
يُوثَّق تاريخ وصول المطالبة ووسيلتها، وتُحفظ المرفقات كما هي. التاريخ وحده قد يحسم دفعاً كاملاً.
تُستخرج نسخة الكفالة الموقّعة والعقد الأصلي وكشف الحساب، ويُطلب من الدائن بيان الرصيد وتفصيل ما قُبض من المدين أو من ضمانات أخرى.
يُتحقَّق من موقف المدين: أي إجراء افتُتح، ومتى، ومن الأمين، وهل قُدّم مقترح خطة. هذه المعلومات تغيّر شكل التفاوض كلّه.
التوقيع على إقرار بالمديونية أو جدولة أو سند جديد قبل فحص الورقة قد يقطع دفوعاً كانت متاحة، ولذلك يتأخّر إلى ما بعد الفحص.
أسئلة شائعة
هل يستطيع الدائن مطالبتي قبل أن يستنفد أموال المدين؟
يتوقف على نوع الكفالة. في الكفالة التضامنية يكون الدائن في وضع أقوى في الرجوع المباشر، وفي الكفالة العادية يُبحث حقّ التجريد. والقراءة تبدأ من نصّ الورقة لا من القاعدة العامة.
أنا دائن، فهل يضرّني الاتفاق مع الكفيل منفرداً؟
قد يترتب على المخالصة أو تعديل شروط الدين أثر على مركز الأطراف الأخرى. لا يوقَّع تعديل جوهري دون تقدير أثره على بقية الضمانات.
هل تختلف القاعدة إذا كان المدين شركة وأنا شريك فيها؟
نعم، وهذا خلط شائع: صفتك شريكاً شيء، وتوقيعك كفيلاً شيء آخر تماماً. الذمّة المستقلة للشركة لا تحميك من كفالة وقّعتها باسمك، وقد فصّلت هذا التمييز في إفلاس الشركة بين المؤسسة الفردية والذمم المستقلة، وفي دليل التاجر الكامل.
خلاصة ما تقدّم أن وضع الكفيل في نظام الإفلاس يُقرأ من ثلاث زوايا معاً: صياغة الكفالة، ونوع الإجراء المفتوح على المدين، وتوقيت تحرّكك. من ضبط الثلاثة تفاوض من موقع يعرفه، ومن أهملها انتظر حتى صار الخيار محصوراً في الدفع.
وصلتك مطالبة بصفتك كفيلاً؟
اعرض الورقة وتاريخ المطالبة وموقف المدين، ولنحدّد معاً ما هو قائم وما هو قابل للدفع قبل أن تضيق المواعيد.
احجز استشارة←هذا المقال محتوى تعريفي عام عن نظام الإفلاس السعودي، ولا يقوم مقام الاستشارة القانونية في واقعة بعينها. لكل حالة وقائعها ومواعيدها.